Skip to main contentSkip to footer
ثقافةفن

رينوار: كيف واصل الرسم رغم المرض؟

لا توجد تعليقات

تبدو المسافة كبيرة بين اليد التي يصعب عليها التقاط فرشاة، واللوحة التي تمتلئ بالضوء والحركة. في سنوات بيير أوغست رينوار الأخيرة، اجتمع الأمران: مرض حدّ من قدرته على الحركة، وعمل فني استمر في البحث عن اللون والجسد والطبيعة. لفهم هذه المرحلة، يستحق المرسم أن يحظى باهتمامنا بقدر ما تحظى به سيرة الفنان: كيف وُضعت الأدوات في متناول يده؟ ومن ساعده؟ وماذا كان يريد أن يرسم؟

قصة رينوار، الذي عاش بين 1841 و1919، أغنى من الحكاية المتداولة عن فرشاة مربوطة بيد. إنها تفتح بابًا لفهم التكيّف في الممارسة الفنية، والتمييز بين أثر المرض في شروط العمل وبين الاختيارات الجمالية التي تظهر على القماش. وعندما نقترب من لوحاته المتأخرة، نجد فنانًا ما زال يتخذ قرارات بشأن التكوين والملمس والضوء، لا مجرد شاهد على ألم جسدي.

رينوار جالس على كرسي من الخيزران مرتديًا قبعة ومعطفًا في صورة التقطها دورناك

بيير أوغست رينوار، نحو 1910. تصوير دورناك؛ المكتبة الوطنية الفرنسية، Gallica؛ نسخة مرمّمة بواسطة Jebulon عبر Wikimedia Commons. ملكية عامة.

ما المرض الذي أصاب رينوار؟

عانى رينوار من التهاب المفاصل الروماتويدي. وتصف دراسة تاريخية طبية نُشرت عام 2012 تزايد صعوبة الحركة وتشوهات مفاصل اليدين، وصولًا إلى حاجته إلى المساعدة في التعامل مع أدواته واستخدام كرسي متحرك. هنا تكمن المشكلة العملية التي واجهها الرسام: كانت مهام تبدو بسيطة، مثل إمساك لوحة الألوان أو الوصول إلى مساحة أعلى من القماش، تحتاج إلى ترتيب مختلف. المصدر: Francesco Tonelli.

يؤرخ متحف رينوار في كاني سور مير ظهور الأعراض الأولى بعام 1897، بينما تضع بعض الكتابات الطبية بداية المرض حول سن الخمسين. لذلك يصح الحديث عن معاناته خلال العقود الأخيرة من حياته، مع الانتباه إلى اختلاف التأريخ بين المصادر. وبحسب متحف منزله، شجّعه الأطباء على الإقامة في جنوب فرنسا؛ ثم اشترى مع زوجته ألين شارِغو ضيعة لي كوليت عام 1907، وأُنجز البيت في العام التالي. المصدر: Musée Renoir.

كيف عدّل رينوار طريقة العمل؟

يمكن تصوّر المرسم بوصفه علاقة بين ثلاثة أشياء: جسم الفنان، والأداة، والسطح الذي يرسم عليه. عندما تقل قدرة الجسم على الحركة، يصبح من الممكن تغيير موضع الأداة أو السطح. تذكر الدراسة الطبية مساعدة أفراد الأسرة في وضع الفرشاة بين أصابعه، وتثبيت لوحة الألوان على كرسيه، واستخدام ترتيب يسمح بتحريك القماش حول أسطوانة للوصول إلى أجزاء من لوحة كبيرة. هكذا انتقل جزء من الحركة المطلوبة من ذراع الفنان إلى تجهيزات العمل.

تساعدنا هذه التفاصيل على قراءة استمرار رينوار بصورة أدق. كان عليه أن يختار اللون واللمسة وموضعها، لكن الوصول إلى لحظة الرسم نفسها احتاج إلى عمل آخر يؤدّيه أشخاص حوله. وتناقش دراسة عن تكيّفه منشورة في مجلة Hand دور المساندة الاجتماعية إلى جانب التعديلات الجسدية في ممارسة الرسم. الاعتراف بهذه المساعدة يجعل صورة الفنان أكثر اكتمالًا؛ فالاستقلال في القرار الفني يمكن أن يتعايش مع الاعتماد على الآخرين في بعض خطوات التنفيذ. المصدر: Kowalski وChung.

هل كانت الفرشاة مربوطة بيده فعلًا؟

تتكرر هذه الرواية لأنها تختصر قصة طويلة في صورة واحدة. لكن أوصاف المصادر التي تناولت رينوار لا تتطابق تمامًا: تصف صفحة لوحة «تيلا دوريو» في متحف المتروبوليتان الفرشاة بأنها كانت مربوطة بيده، بينما تتحدث دراسة Tonelli عن وضعها وتثبيتها بين الأصابع بمساعدة الأسرة. لذلك لا ينبغي تحويل صيغة واحدة إلى وصف يقيني لكل جلسات الرسم في سنواته الأخيرة.

ما تدعمه هذه المصادر هو أنه احتاج إلى المساعدة والتكييف كي يستخدم أدواته. أما طريقة الإمساك الدقيقة، ومدى ثباتها عبر الزمن، فتستحقان صياغة حذرة. وهذا التفصيل مهم لأن الحكاية المختصرة قد تحجب السؤال الأكثر فائدة: ما الشروط التي أتاحت له مواصلة العمل؟ كذلك لا يحتاج تقدير تجربته إلى وضع أقوال غير موثقة على لسانه؛ أعماله وتجهيزات مرسمه تقدّم مادة كافية للفهم.

لي كوليت: مكان للعيش وموضوع للرسم

في كاني سور مير، لم تكن الطبيعة مجرد خلفية للاستراحة. يصف متحف رينوار بساتين الزيتون والبرتقال والتين المحيطة بالبيت، والمراسم التي أُعدّت للعمل داخله وفي الحديقة. وصارت هذه البيئة مجالًا متكررًا للمشاهدة والرسم. الاستقرار في مكان مألوف يتيح للفنان العودة إلى العلاقات نفسها بين الأشجار والمباني والضوء، مع إعادة ترتيبها في كل لوحة.

من المفيد هنا النظر إلى المكان باعتباره جزءًا من أدوات الممارسة. فالمسافة إلى الموضوع، وإمكان الجلوس أمامه، وتوافر المساعدة، كلها تؤثر في كيفية بدء جلسة الرسم واستمرارها. هذه قراءة لشروط العمل، وليست تفسيرًا طبيًا للون. لا يمكن أن نستنتج من إشراق لوحة أن صاحبها لم يكن يتألم، ولا أن نردّ كل نعومة في الفرشاة إلى المرض. الصورة عمل مصنوع، ولها منطقها التشكيلي.

لوحتان تكشفان حيوية رينوار المتأخر

المزرعة في لي كوليت: العين تمرّ بين الأشجار

يؤرخ المتروبوليتان لوحة «المزرعة في لي كوليت، كاني» بين 1908 و1914. وهي من الأعمال التي تجعل المكان اليومي مادة للتأمل. لا نصل إلى البيت بخط مستقيم: جذع كبير يتقدم المشهد، وأغصان وأوراق تملأ المسافة بيننا وبين الواجهة. تتكون رحلة النظر من الاقتراب والالتفاف والبحث عن فراغ يسمح برؤية ما وراء الشجر. بيانات العمل: The Met.

لوحة المزرعة في لي كوليت لرينوار حيث يظهر بيت فاتح اللون خلف جذوع الزيتون وأوراقه

رينوار، «المزرعة في لي كوليت، كاني»، 1908–1914، زيت على قماش. متحف المتروبوليتان، رقم 61.190. الصورة متاحة ضمن الملكية العامة وبرنامج Open Access.

تأمل اللون الأزرق المتناثر بين الأوراق، ثم قارنه بالأخضر والذهبي في محيطه. لا تفصل حدود قاسية كل ورقة عن الأخرى؛ تتجاور اللمسات وتسمح للعين بتجميع الكتلة النباتية. وفي المقابل، تمنح فتحات الواجهة وعلاقاتها الرأسية والأفقية نقطة استقرار داخل هذا الاهتزاز اللوني. هذه الملاحظة البصرية تفسّر كيف تظل اللوحة قابلة للقراءة، مع أنها لا تنشغل بالتفاصيل المعمارية الدقيقة.

كما أن الجذع المائل يخلق اتجاهًا صاعدًا يقابله امتداد البيت الأفقي. يمكن للقارئ أن يجرّب تتبّع هذا الخط بعينه قبل البحث عن الشخصيات الصغيرة. عندئذ يصبح الإيقاع ظاهرًا: ما يبدو للوهلة الأولى منظرًا هادئًا يحمل حركة داخلية، تصنعها العلاقات بين الكتل. قيمة العمل لا تتوقف على معرفة حالة يد الرسام؛ إنها تظهر أيضًا في طريقة تنظيمه لما نراه.

تيلا دوريو: حضور الشخصية ونعومة اللون

رسم رينوار الممثلة تيلا دوريو عام 1914. ويوضح المتروبوليتان أنها جلست أمامه بزي صمّمه بول بواريه لدورها في مسرحية «بيغماليون». يربط ذلك الصورة بعالم المسرح والأزياء، ويمنح الثياب معنى يتجاوز الزينة: إنها جزء من حضور امرأة تؤدي أدوارًا وتعرف كيف تظهر أمام الجمهور. بيانات العمل: The Met.

تيلا دوريو جالسة بفستان فاتح ووشاح مزخرف وزهرة وردية في شعرها في بورتريه رينوار عام 1914

رينوار، «تيلا دوريو»، 1914، زيت على قماش. متحف المتروبوليتان، رقم 61.101.13. الصورة متاحة ضمن الملكية العامة وبرنامج Open Access.

في قراءة مباشرة للصورة، يقود الفستان الفاتح النظر إلى الوجه، بينما تمنح درجات الخلفية الدافئة الرأس مساحته الهادئة. ويتكرر الأخضر في الستارة وحول الخصر، فيربط موضعين متباعدين. أما اللمسات الذهبية على الثوب فتوزع ومضات صغيرة حول الجسد من دون أن تزاحم العينين. هكذا يتحقق توازن بين بريق الزي وثبات الجلسة.

يشغل الجزء المكوّن من الكتفين والذراعين مساحة واسعة في أسفل اللوحة، بينما يرتفع الرأس إلى قمة التكوين. يمنح هذا التنظيم الشخصية وقارًا، وتخفف الانتقالات اللونية اللينة من صرامته. تأمل الفرق بين ملمس الوجه واهتزاز الزخرفة على القماش: تنوّع المعالجة داخل اللوحة دليل على الاختيار، ولا يصح اختزال النتيجة كلها في أثر جسدي واحد أو حركة فرشاة واحدة.

من اللوحة إلى النحت: دور ريتشارد غينو

امتد اهتمام رينوار بالشكل والحجم إلى النحت. وتوثق بطاقة «مدام رينوار» في متحف أورسي تعاونًا بدأ عام 1913 بمبادرة من تاجر الفن أمبرواز فولار. تولّى النحات ريتشارد غينو تشكيل الطين انطلاقًا من رسومات ولوحات رينوار وتحت توجيهه. وتسجل بطاقة المتحف اسمي الفنانين؛ لذلك من الأدق تقديم هذه الأعمال بوصفها نتاج تعاون فني، مع الاعتراف بدور غينو في صياغة المجسم. المصدر: Musée d’Orsay.

يُظهر تمثال «مدام رينوار» المؤرخ عام 1916 كيف يمكن للصورة المرسومة أن تصبح كتلة تشغل الفراغ. عند الانتقال من سطح إلى مجسم، تصبح الجوانب التي لا تكشفها اللوحة قرارات جديدة في الحجم والعمق والملمس. لهذا يضيف التعاون مع نحات بعدًا إبداعيًا، ولا يقتصر على توفير قدرة يدوية بديلة. كما يمنعنا ذكر الشراكة من إخفاء عمل شخص آخر خلف اسم الفنان الأشهر.

كيف ننظر إلى هذه التجربة دون تمجيد الألم؟

يسهل أن تتحول سيرة فنان مريض إلى دعوة عامة تطالب الجميع بمواصلة الإنتاج مهما كانت ظروفهم. لكن استمرار رينوار حدث في سياق محدد، شمل مكانًا للعمل وأدوات قابلة للتعديل وأشخاصًا يساعدونه. لا تتيح هذه القصة الحكم على ما يستطيع شخص آخر فعله، ولا تثبت أن الألم شرط للإبداع أو أن الإرادة تلغي حدود الجسد.

الأكثر إثمارًا هو أن نأخذ منها أسئلة عملية للنظر في الفن: ماذا غيّر الفنان في بيئة العمل؟ ما الذي بقي تحت اختياره المباشر؟ وأين يبدأ دور الشريك أو المساعد؟ ثم نعود إلى اللوحة نفسها، إلى تركيب ألوانها ومسارات النظر فيها. بهذه الطريقة نمنح السيرة مكانها، ونترك للعمل الفني مساحة ليقول ما لا تختصره الحكاية.

ولفهم موقع رينوار قبل هذه المرحلة، يمكن العودة إلى الانطباعية: كيف غيّرت تاريخ الفن إلى الأبد؟. أما أعماله المتأخرة فتدعونا إلى متابعة فنان واصل إعادة التفكير في طريقته، واستعان بما أتيح له من أدوات وعلاقات كي تبقى الصورة ممكنة.

أسئلة شائعة عن رينوار ومرضه

هل توقف رينوار عن الرسم بسبب التهاب المفاصل؟

واصل الرسم في سنواته الأخيرة رغم تزايد القيود الحركية. وساعده تعديل أدوات العمل ومساندة المحيطين به على الاستمرار. توثّق أعمال مثل «تيلا دوريو» عام 1914 نشاطه في هذه المرحلة، من دون أن يعني ذلك زوال معاناته الجسدية.

أين عاش رينوار في سنواته الأخيرة؟

استقر في ضيعة لي كوليت في كاني سور مير بجنوب فرنسا. اشترى المكان مع زوجته عام 1907، وأصبح بيته لاحقًا متحفًا يضم أعمالًا ومقتنيات مرتبطة بحياته ومرسمه.

هل رسم رينوار بنفسه أم رسم مساعدوه بدلًا منه؟

تصف المصادر مساعدة في تجهيز الأدوات ووضع الفرشاة وتيسير الوصول إلى القماش، مع استمرار رينوار في الرسم. أما في النحت فتُوثَّق شراكة مع ريتشارد غينو، الذي تولّى التشكيل. يجب التمييز بين هذين النوعين من المساعدة عند نسبة الأعمال وشرحها.

Tags: الرسم, الفن التشكيلي, تاريخ الفن, رينوار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

الانطباعية: كيف غيّرت تاريخ الفن إلى الأبد؟
أجمل 10 لوحات تصوّر المشاعر الإنسانية